الفقه والحديث الشريف

الإمام البخاري: سيرته ومساهمته في العلم والفقه

صورة للإمام البخاري عن طريق الذكاء الإصطناعي
دار الوسام للنشر - logo section separator
صورة للإمام البخاري عن طريق الذكاء الإصطناعي
صورة للإمام البخاري عن طريق الذكاء الإصطناعي

اسم الامام البخاري ونسبه:

هو الإمام العلم تاج الفقهاء عمدة المحدّثين سّيد الحفّاظ أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه⁽¹⁾ بن الأحنف الجعفي البخاري⁽²⁾. وبذدزبه⁽³⁾ مجوسي مات عليها والمغيرة بن بذدزبه أسلم على يدي يمان البخاري والي بخارى ويمان هذا هو أبوجدّ عبد الله بن محمد المسندي الجعفي وعبد الله بن محمد هو ابن جعفر بن يمان البخاري الجعفي والبخاري قيل له جعفي لأن أبا جده أسلم على يدي أبي جد عبد الله المسندي ويمان جعفي فنسب إليه لأنه مولاه من فوق⁽⁴⁾، أمّا جد إبراهيم بن المغيرة فقد قال ابن حجر⁽⁵⁾ “لم نقف على شيء من أخباره”⁽⁶⁾.

(1) بردزبه: بباء موحّدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة ثم باء موحّدة ثم هاء ساكنة، هكذا قيّده أبو نصر بن ماكولا وقال هو بالبخارية ومعناه بالعربية الزرّاع: انظر: [النووي، (محي الدين بن شرف (ت 676هـ)): تهذيب الأسماء واللغات، تصحيح وتعليق شركة العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيريّة، دار الكتب العلمية، بيروت(لبنان)، ط:1، [د س ط]، ج:1، ص: 67.]

(2) العسقلاني، (ابن حجر (ت852هـ)): تغليق التعليق على صحيح البخاري، تح: سعيد عبد الرحمان موسى القرني، المكتب الإسلام، دار عمار بيروت، عمان(الأردن)، ط:1، (1405هـ)، ج:5، ص: 384.

(3) وقيل بذدزبه وقيل يزدزبه وقيل غير ذلك: انظر: الذهبي، (شمس الدين (ت748هـ)): سير أعلام النبلاء، تح: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط مؤسسة الرّسالة، ط:3، (1405ه/1985م)، ج:12، ص:391. وابن خلكان، (شمس الدين (ت 681هـ)): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط:1، (1971 م)، ج:4، ص:188.

(4) البغدادي، (أبو بكر أحمد بن علي (ت 463هـ)): تاريخ بغداد، تح: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، (1422هـ/ 2002م)، ج:2، ص:323/324.

(5) ابن حجر: هو أبو الفضل أحمد بن علي بن محمّد الكناني العسقلاني شهاب الدّين المعروف بابن حجر صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري والمصنّفات الجليلة الّتي انتشرت في حياته وتهاداها الملوك وكتبها الأكابر (ت852هـ) بـالقاهرة [الزّركلي، (خير الدّين (ت1396هـ)): الأعلام، دار العلم للملايين، ط:15، (2002م)، ج:1، ص:178. وابن العماد، (عبد الحي بن أحمد (ت1089هـ)): شذرات الذّهب في أخبار من ذهب، تح: محمود الأرناؤوط وخرّج أحاديثه عبد القادر أرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق(بيروت)، ط:1، (1406هـ/1986م)، ج:1، ص:74.]

(6) العسقلاني، (ابن حجر(ت852هـ)): هدي الساري مقدّمة فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمّد فؤاد عبد الباقي وأشرف على طباعته محبّ الدّين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، [د ط]، (1379هـ)، ص:477.

وأمّا والده إسماعيل بن إبراهيم فقد ترجم له الإمام البخاري في التّاريخ الكبير فقال‹‹ إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة أبو الحسن رأى حمّاد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه وسمع مالكا⁽¹⁾. وقد حدّث عن أبي معاوية (وهو محمّد بن خازم أبو معاويّة الضّرير) وجماعة وروى عنه أحمد بن حفص ونصر بن الحسن⁽²⁾››.

وقد كان والد البخاري قد جمع الله له مع العلم والرواية الزهد والورع، قال أحمد بن حفص دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته فقال لا أعلم في جميع مالي درهما من شبهة⁽³⁾.

فالبخاري من بيت علم وورع ودين سيتجلى ذلك من نشأته حتى وفاته رحمه الله رحمة واسعة.

فما يكُ من خير أتوْه فإنّما                توارثه آباء آبائهم قبلُ

وهل يُنبت الخطيّ إلاّ وشيجُهُ             وتُغرس إلاّ في منابتها النّخلُ⁽⁴⁾

(1) البخاري، (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت 256هـ)): التاريخ الكبير، طبع تحت مراقبة محمد عبد المعيد خان، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، [د ط]، [د س ط]، ج:1، ص:343.

(2) الذّهبي، (شمس الدين (ت 748هـ)): تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تح: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط:1، (2003م)، ج:6، ص:140.

(3) م ن.

(4) زهير بن أبي سلمى: ديوان زهير بن أبي سلمى، تح: علي حسن فاعور، دار الكتب العلميّة، [د ط]، (1408هـ/1988م)، ص:87.

دار الوسام للنشر - logo section separator
جانب من مدينة بخارى حيث ولد البخاري
جانب من مدينة بخارى حيث ولد البخاري

مولد الامام البخاري ونشأته:

ولد البخاري يوم الجمعة بعد الصّلاة لثلاث عشر وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوّال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى⁽¹⁾. مات أبوه وهو صغير ونشأ في حجر أمّه وكان شديد الحياء حتّى قال فيه شيخه محمد بن سلاّم البيكندي⁽²⁾ “أترون البكر أشدّ حياء من هذا الغلام؟ ⁽³⁾”.

وكان قد ذهبت عيناه وهو صغير فرأت والدته إبراهيم الخليل عليه الصّلاة والسّلام في المنام فقال: يا هذه قد ردّ الله على ابنك بصره لكثرة دعائك أو لكثرة بكائك فأصبح وقد ردّ الله عليه بصره…

وأُلهِمَ حفظ الحديث وهو في الكتّاب ولم يتجاوز حينها العشر سنين من عمره ثم أخذ يختلف على الدّاخلي وغيره في طلب الحديث ولمّا طعن في السّادسة عشرة حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف كلام أصحاب الرّأي ثم خرج مع أمّه وأخيه إلى الحجّ سنة عشر ومائتين.

وقد ضرب الإمام في باب الارتحال بسهم راجح وقلّ قطر من أقطار الإسلام إلاّ وله إليه رحلة، فدخل الشّام ومصر والجزيرة مرتين وسافر إلى البصرة أربع مرّات وأقام بالحجاز ستّة أعوام ودخل الكوفة وبغداد ما لا يحصى وغيرها من بلاد المسلمين، وظهر نبوغه وهو غلام وصنّف ولم يتجاوز الثّامنة عشر من عمره⁽⁴⁾.

(1) العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التعليق، ج:5، ص:385.

(2) محمّد بن سلام البيكندي: هو الإمام الحافظ النّاقد محمّد بن سلام بن الفرج السّلمي مولاهم أبو عبد الله البخاري البيكندي ويقال الباكندي أيضا ويقال بالفاء أيضا وكان من أوعيّة العلم وأئمّة الأثر وهو من كبار شيوخ البخاري، توفيّ في صفر سنة (225هـ). [الذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:10، ص:628/630. والمزّي، (يوسف بن عبد الرّحمان جمال الدّين (ت742هـ)): تهذيب الكمال في أسماء الرّجال، تح: د. بشّار عواد معروف، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط:1، (1400هـ/1980م)، ج:25، ص:340.]

(3) العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التّعليق، ج:5، ص:391.

(4) انظر: العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:477. والبغدادي، (أبو بكر): تاريخ بغداد، ج:2، ص: 322.

دار الوسام للنشر - logo section separator
مخطوطة من كتاب "تسديد القوس مختصر مسند الفردوس" بخط مؤلفه ابن حجر العسقلاني.
مخطوطة من كتاب "تسديد القوس مختصر مسند الفردوس" بخط مؤلفه ابن حجر العسقلاني.

شيوخ الامام البخاري وتلاميذه:

أتاحت هذه الرّحلات الكثيرة للإمام البخاري فرصة لقاء الشّيوخ الثّقات الذين بلغوا حدّ الكثرة الكاثرة، وعن محمد بن أبي حاتم الورّاق⁽¹⁾ عنه قال:” كتبت عن ألف وثمانين نفسا ليس فيهم إلاّ صاحب حديث. وقال أيضا: لم أكتب إلاّ عمّن قال: الإيمان قول وعمل⁽²⁾…

وقد قسّمهم أبو عبد الله الحاكم⁽³⁾ في تاريخ نيسابور باعتبار الأقاليم والبلدان⁽⁴⁾ وقد ذكر ابن حجر مراتب هؤلاء الشيوخ فجعلهم على خمس طبقات:

  • الطّبقة الأولى: من حدّثه عن التّابعين: مثل مكّي بن إبراهيم ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبيد الله بن موسى وأبي عاصم النّبيل وأبي نعيْم الملائي وأبي المغيرة الخولاني وعلي بن عيّاش وخلاّد بن يحي وغيرهم.
  • الطّبقة الثّانية: من كان في عصر هؤلاء وتأخّر عنهم قليلا: مثل آدم بن أبي إيَاس وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وأيّوب بن سليمان بن بلال وحجّاج بن منهال وسعيد بن أبي مريم وثابت بن محمد الزّاهد وغيرهم من أصحاب الأوزاعي وابن أبي ذئب والثّوري وشعبة ومالك.

(1) ابن أبي حاتم الورّاق: هو الإمام الجليل أبو عبد الله محمّد بن أبي حاتم الورّاق وهو النّاسخ وكان ملازما للبخاري سفرا وحضرا فكتب كتبه، له كتاب “شمائل البخاري” جمعه وهو جزء ضخم، لم أقف على تاريخ وفاته. [العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التّعليق، ج:5، ص:437. والذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:12، ص:392.]

(2) العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:479.

(3) الحاكم: هو أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن البيّع الضّبيّ النّيسابوري، الحافظ، صاحب “المستدرك على الصّحيحين” على انتقادات عليه في هذا الكتاب أمّا صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشّأن فأمر مجمع عليه (ت405هـ). [الذّهبي، (شمس الدّين): ميزان الاعتدال في نقد الرّجال، تح: علي محمّد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنّشر، بيروت(لبنان)، ط:1، (1382هـ/1963م)، ج:3، ص: 608. والعسقلاني، (ابن حجر): لسان الميزان، تح: دائرة المعارف النّظاميّة، الهند، مؤسّسة الأعلامي المطبوعات، بيروت(لبنان)، ط:2، (1390هـ/1971م)، ج:5، ص: 233.]

(4) النووي، (محي الدّين): تهذيب الأسماء واللّغات، ج:1، ص: 71.

  • الطّبقة الثّالثة: أوساط مشايخه الذين شاركه في الرّواية عنهم مسلم وغيره: كأحمد وإسحاق ويحي وعلي بن المديني وابن أبي شيبة وقتيبة ونعْيم بن حمّاد وأشباههم من أصحاب حمّاد بن زيد واللّيث ثمّ من أصحاب ابن المبارك وهُشيم وابن عيينة ونحوهم.
  • الطّبقة الرّابعة: رفقاؤه في الطّلب: كمحمد بن يحي الذُّهلي وأبي حاتم الرّازي ومحمد بن عبد الرّحيم صاعقة والدّارمي وعبد بن حميد وأحمد بن النضّر ومحمد بن إبراهيم البوشنجي وجماعة وفيهم من هو أقدم منه سماعا قليلا.
  • الطّبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السّن والإسناد سمع منهم للفائدة: كعبد الله بن حمّاد الآملي وعبد الله بن أبي القاضي وحسين بن محمد القباني ومحمد بن إسحاق السّرّاج ومحمد بن عيسى التّرمذي وغيرهم.

وقد رُوي عن البخاري أنّه قال لا يكون المحدّث كاملا حتّى يكتب عمّن هو فوقه وعمّن هو مثله وعمّن هو دونه⁽¹⁾.

وقد خصّ بعضهم شيوخه الّذين خرّج لهم في الصّحيح بالتّعداد فبلغوا (324) شيخا بين رواية متصلة أو معلّقة، مرفوعة أو موقوفة⁽²⁾.

(1) العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التّعليق، ج:5، ص:394.

(2) انظر: مقدّمة كتاب صحيح البخاري، مركز الرّسالة للدراسات وتحقيق التّراث، خرّج أحاديثه وعلّق عليه عزّ الدّين ضلّي وعماد الطّيّار وياسر حسن، ط:2، (1435ه/2014م)، ج:1، ص:59.

أمّا تلاميذه الّذين رووا عنه فأشهر من أن يذكروا وأكثر من أن يحصروا، فقد بلغت شهرة الإمام البخاري عِليَة القوم وعامتهم فتحدّث النّاس عنه في كلّ ناد، وشقّوا في سبيل تحصيل علمه كلّ واد، حتّى صار محطّ رحال المحدّثين وحملة الآثار وتخرّج به الجهابذة والنّقّاد، فقد ذكر الفربري⁽¹⁾ أنّه سمعه منه “أي الصّحيح” تسعون ألفا⁽²⁾.

وكان أهل المعرفة يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتّى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطّريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممّن يكتب عنه وكان شابّا لم يخرج وجهه⁽³⁾.

وكان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفا يأخذون عنه، وممن روى عنه من الأئمة الأعلام الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجّاج صاحب الصّحيح وأبو عيسى التّرمذي وأبو عبد الرّحمن النّسائي وأبو حاتم وأبو زرعة الرّازيان وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي الإمام وصالح بن محمد جزرة الحافظ وأبو بكر بن خزيمة ويحي بن محمد صاعد ومحمد بن عبد الله مطيّن وكل هؤلاء أئمة حفّاظ وآخرون من الحفّاظ وغيرهم، قال الخطيب⁽⁴⁾ آخر من حدّث ببغداد عن البخاري: الحسين بن إسماعيل المحاملي⁽⁵⁾.

(1) الفربري: هو المحدّث الثّقة العالم أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، روى الجامع الصّحيح عن البخاري مرّتين وقيل إنّه رواه عنه تسعون ألف رجل (ت320هـ) وقد أشرف على التّسعين. [ابن قنفذ القسنطيني، (أبو العبّاس(ت810هـ)): الوفيات، تح: عادل نويهض، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط:4، (1403هـ/1983م)، ج:1، ص:206. والذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:15، ص:10.]

العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:491. (2)

(3) الذّهبي، (شمس الدّين): تاريخ الإسلام، ج: 6، ص:140.

(4) الخطيب البغدادي: هو الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت البغدادي المعروف بالخطيب، صاحب “تاريخ بغداد” كان أبوه أبو الحسن خطيبا بقرية درزيجان وصنّف قريبا من مائة مصنّف وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق توفي ببغداد سنة (463هـ). [الذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:18، ص:270. وابن خلّكان، (أبو العبّاس): وفيات الأعيان، ج:1، ص:92.]

(5) النّووي، (محي الدّين): تهذيب الأسماء واللّغات، ج:1، ص:73.

دار الوسام للنشر - logo section separator
صحيح البخاري
صحيح البخاري

نبوغ الامام البخاري في طلب العلم وثناء العلماء عليه:

لقد كتب الله لسنّة نبيّه ﷺ الحفظ على أيدي أئمة أُوتوا باعا في الذّكاء والفطنة وسعة العلم وكان البخاري رأسا لهم وأميرا وقد أذعن له الجهابذة الأفذاذ في هذا الفنّ فقال عن نفسه “فجعلت أختلف إلى الدّاخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للنّاس سفيان عن أبي الزّبير عن إبراهيم فقلت إنّ أبا الزّبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له ارجع إلى الأصل إن كان عندك فدخل فنظر فيه ثمّ رجع فقال كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزّبير وهو ابن عدي عن إبراهيم فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال لي صدقت قال: فقال له أَنَسْيَانٌ ابن كم حين رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة.

قال فلمّا طعنت في ستّ عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرّأي.”⁽¹⁾.

وقال محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فلا يكتب حتّى أتى على ذلك أيّاما وكنّا نقول له فقال: إنّكما قد أكثرتما عليّ فاعرضا عليّ ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد علينا خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلّها على ظهر قلب حتّى جعلنا نُحْكِمُ كتبنا من حفظه ثمّ قال: أترون أنّي أختلف هدَرا أو أضيع أيّامي فعرفنا أنّه لا يتقدّمه أحد⁽²⁾.

وقال أبو الأزهر⁽³⁾ ” كان بسمرقندا أربعمائة محدّث فتجمّعوا وأحبّوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشّام في

(1) العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:478. وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس الرّاوي عن جابر وشيخ اللّيث بن سعد وأمّا إبراهيم فهو النخعي فقيه العراق ولا يخفى أنّ أبا الزبير من طبقة أعلى من طبقة الزبير بن عدي.

(2) السّبكي، (تاج الدّين عبد الوهّاب بن تقيّ الدّين (ت 771هـ)): طبقات الشّافعيّة الكبرى، تح: محمود محمد الطّناحي وعبد الفتّاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنّشر والتّوزيع، ط:2، (1413هـ)، ج:2، ص:217.

(3) أبو الأزهر: هو الإمام الحافظ أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط النّيسابوري أبو الأزهر العبدي محدّث خراسان في زمانه، رأى سفيان بن عيينة وروى عنه محمّد بن يحي الذّهلي وأبو زرعة وأبو حاتم الرّازيان، كُفّ بصره في آخر عمره (ت 263هـ). [الذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:12، ص:368. والبغدادي، (أبو بكر): تاريخ بغداد، ج:5، ص:66.]

إسناد العراق وإسناد الحرم فما تعلّقوا منه بسقطة”⁽¹⁾.

وأمّا قصّته مع البغداديين وامتحان أصحاب الحديث له فهي مذكورة مشهورة فإنّه عندما قدم بغداد واجتمع إليه أهل الحديث عمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث أمروهم أن يلقوا ذلك على البخاري فصحّح لكلّ واحد منهم ما ألقى وردّ كلّ متن إلى إسناده وكلّ إسناد إلى متنه فأقرّ النّاس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، قال ابن حجر معلّقا على هذه القصّة “قلت هنا يخضع للبخاري فما العجب من ردّه الخطأ إلى الصّواب فإنّه كان حافظا بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه مرّة واحدة.”⁽²⁾.

وينقل ابن عساكر⁽³⁾ بسنده عن أحيد بن أبي جعفر والي بخارى يقول قال محمد بن إسماعيل يوما ربّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشّام وربّ حديث سمعته بالشّام كتبته بمصر⁽⁴⁾.

فهذه الحافظة الواعية والذّهن السّيّال جعل الإمام البخاري كلمةً اتّفق عليها أهل الصّنعة وبايعوه أميرا لهذا الفنّ حتّى لقّب بأمير المؤمنين في الحديث. ولهذا تتالت كلمات الثّناء عليه من الجهابذة والحفّاظ، قال النّووي⁽⁵⁾”وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل وعنه قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان، أبو زرعة الرّازي ومحمد بن إسماعيل البخاري وعبد الله بن عبد الرّحمان السّمرقندي، يعني الدّارمي والحسن بن شجاع البلخي.

(1) العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التعليق، ج:5، ص:415.

(2) العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:486.

(3) ابن عساكر: هو أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ثقة الدّين بن عساكر الدّمشقي المؤرّخ الحافظ الرّحّالة صاحب “تأريخ دمشق الكبير” المعروف بتاريخ ابن عساكر (ت571هـ). [الزّركلي، (خير الدّين): الأعلام، ج:4، ص:273. وابن العماد، (عبد الحي): شذرات الذّهب في أخبار من ذهب، ج:1، ص:43.]

(4) ابن عساكر، (أبو القاسم (ت571هـ)): تاريخ دمشق، تح: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، [د ط]، (1415ه/1995م)، ج:52، ص:65.

(5) النّووي: هو شيخ الإسلام محي الدّين أبو زكريا يحي بن شرف بن مري النّووي الشّافعي، أحد العبّاد والعلماء الزّهّاد وبورك له في وقته صاحب التّصانيف الجليلة المشهورة كشرحه لمسلم و”رياض الصّالحين” لم يُعَمّر طويلا توفي بنوى سنة (676هـ). [الذّهبي، (شمس الدّين (ت748هـ)): المعين في طبقات المحدّثين، تح: د. همّام عبد الرّحمان سعيد، دار الفرقان، عمّان (الأردن)، ط:1، (1404هـ)، ج:1، ص:215. وابن كثير، (أبو الفداء إسماعيل بن عمر (ت774هـ)): طبقات الشّافعيين، تح: د. أحمد عمر هاشم ود. محمّد زينهم محمّد عزب، مكتبة الثّقافة الدّينيّة، [د ط]، (1413هـ/1993م)، ج:1، ص:913.]

وعن الحافظ أبي علي صالح بن محمد جزرة⁽¹⁾ قال: ما رأيت خراسانيّا أفهم من البخاري وعنه قال: أعلمهم بالحديث البخاري وأحفظهم أبو زرعة وهو أكثرهم حديثا وعن محمد بن بشّار بندار⁽²⁾ شيخ البخاري ومسلم قال حفّاظ الدّنيا أربعة: أبو زرعة… ومسلم بن الحجّاج: نيسابور وعبد الله بن عبد الرّحمان الدّارمي بسمرقند ومحمد بن إسماعيل ببخارى وعنه قال: ما قدم علينا يعني البصرة مثل البخاري وعنه أنّه قال حين دخل البخاري البصرة: دخل اليوم سيد الفقهاء

وروينا عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة⁽³⁾ قال ما رأيت تحت أديم السّماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ من محمد بن إسماعيل، قال الحافظ أبو الفضل محمد بن ظاهر المقدسي وحسبك بإمام الأئمة ابن خزيمة يقول فيه هذا القول مع بقيّة الأئمة والمشايخ شرقا وغربا.

قال أبو الفضل ولا عجب فيه فإنّ المشايخ قاطبة أجمعوا على قدمه وقدّموه على أنفسهم في عنفوان شبابه وابن خزيمة إنّما رآه عند كبره وتفرّده في هذا الشأن.

(1) صالح بن محمّد جزرة: هو الحافظ العلاّمة الثّبت صالح بن محمّد بن عمر بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي، نزيل بخارى، وسبب تلقيبه جزرة أنّه صحّف “خرزة” فقال “جزرة” فلُقّب بذلك، توفّي في ذي الحجّة سنة (293هـ). [السّيوطي، (جلال الدّين (ت911هـ)): طبقات الحفّاظ، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط:1، (1403هـ)، ج:1، ص:286. والذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:14، ص:24.]

(2) بُنْدار: هو محمّد بن بشّار بن عثمان بن داود بن كيسان، الإمام الحافظ، ولُقّب بُنْدَارًا لكثرة حفظه، توفّي في رجب سنة(252هـ). [العسقلاني، (ابن حجر): تهذيب التّهذيب، مطبعة دائرة المعارف النّظاميّة، الهند، ط:1، (1326هـ)، ج:9، ص:70. والذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:12، ص:144.]

(3) ابن خزيمة: هو محمّد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر إمام الأئمّة أبو بكر السّلمي النّيسابوري كان موفّقا في الجمع بين مختلف الحديث حتّى اشتهر بذلك، توفّي في ذي القعدة سنة(311هـ). [السّبكي، (تاج الدّين): طبقات الشّافعيّة الكبرى، ج:3، ص:109. وابن حبّان، (محمّد بن حبّان بن أحمد (ت354هـ)): الثّقات، تحت مراقبة د. محمّد عبد المعيد خان، دائرة المعارف العثمانيّة، حيدرآباد، الدّكن، الهند، ط:1، (1393هـ/1973م)، ج:9، ص:156.]

وروينا عن إبراهيم بن محمد بن سلام⁽¹⁾، بتخفيف اللّام على الأصحّ وقيل بتشديدها، قال إنّ الرّتوت⁽²⁾ من أصحاب الحديث مثل سعيد بن أبي مريم المصري ونعيْم بن حمّاد والحميدي والحجّاج بن منهال وإسماعيل بن أبي أويس والعربي والحسن الخلال ومحمد بن ميمون صاحب ابن عيينة ومحمد بن العلاء والأشج وإبراهيم بن المنذر الخزامي وإبراهيم بن موسى الفرّاء كلّهم كانوا يهابون محمد بن إسماعيل ويقضون له على أنفسهم في النّظر والمعرفة…

واعلم أنّ وصف البخاري رحمه الله بارتفاع المحل والتّقدم في هذا العلم على الأماثل والأقران، متّفق عليه فيما تأخّر وتقدّم من الأزمان ويكفي في فضله أنّ معظم من أثنى عليه ونشر مناقبه شيوخُه الأعلامُ المبرزون والحذّاق المتقنون.⁽³⁾

وحسبنا ما بلّغنا به القصد فلو استطردنا في هذا الباب لجمعنا في ذلك سِفرا عظيما فإنّه إمام الأئمة وأمير المؤمنين في الحديث ولهو حقيق بأن يقال فيه ‹‹ لم ير مثل نفسه ›› في زمن الكبراء والأئمة الحفّاظ وكذا من بعدهم.

وحسبنا وصف ابن حجر: ” لو فتحت باب الثّناء عليه ممن تأخّر عن عصره لفنيَ القرطاس ونفذت الأنفاس فذلك بحر لا ساحل له”⁽⁴⁾.

(1) إبراهيم بن محمّد بن سلام البيكندي: هو إبراهيم بن محمّد بن سلام البيكندي السّلمي أبو إسحاق نزيل بخارى، روى عن أبيه عن عيسى بن موسى التّيمي البخاري عن أبي حمزة السّكري، لم أقف على تاريخ وفاته. [ابن أبي حاتم الرّازي، (عبد الرّحمان بن محمّد (ت327هـ)): الجرح والتّعديل، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة، حيدرآباد، الدّكن(الهند)، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، ط:1، (1271هـ/1952م)، ج:2، ص:129.]

(2) الرّتوت: الرّؤساء، قاله ابن الأعرابي وغيره وذكره الحاكم أبو عبد الله البخاري فقال هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النّقل. [النّووي، (محي الدّين): تهذيب الأسماء واللّغات، ج:1، ص:71.]

(3) النّووي، (محي الدّين): تهذيب الأسماء واللّغات، ج:1، ص:69/70/71.

(4) العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:485.

دار الوسام للنشر - logo section separator
مسجد الإمام البخاري في كوالالمبور
مسجد الإمام البخاري في كوالالمبور

فقه الامام البخاري:

لقد كان البخاري فقيها كما كان محدّثا فقد أوتي من دقّة الاستنباط وملكة الفهم وأدوات الاجتهاد ما جعله إماما في الفقه كما في الحديث وهو ما شهد به أئمة الفقهاء: قال الإمام أحمد “ما أخرجت خراسان مثل محمّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمّة.”⁽¹⁾ وشهد بذلك شيخه محمّد بن بشّار عندما قدم البخاريّ البصرة فقال: “دخل اليوم سيّد الفقهاء”⁽²⁾

بل ورجّحه أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزّهري⁽³⁾ على الإمام أحمد وساواه بمالك فقد قال” محمّد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل فقال رجل من جلسائه: جاوزت الحدّ فقال أبو مصعب لو أدركت مالكا ونظرت إلى وجهه ووجه محمّد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث”. ⁽⁴⁾

وقد تنازع أتباع الأئمّة الأربعة نسبة مذهب البخاري إليهم.

فقد” ذكره تاج الدين السّبكي⁽⁵⁾ في طبقات الشّافعيّة الكبرى وجعله في الطّبقة الثّانية وأنّه أخذ فقه الشّافعي على

(1) أحمد بن عبد الله، (صفيّ الدّين الأنصاري السّاعدي (ت 923 هـ)): خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرّجال، تح: عبد الفتّاح أبو غدّة، مكتب المطبوعات الإسلاميّة، دار البشائر، حلب(بيروت)، ط:5، (1416هـ)، ص:327.

(2) النّووي، (محي الدّين): تهذيب الأسماء واللّغات، ج:1، ص:68.

(3) أبو مصعب الزّهري: هو أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزّهري القرشي وهو ابن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرّحمان بن عوف روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرّازيان ويعدّ في المدنيين، سمع مالكا، وتوفي سنة (242 هـ). [ابن أبي حاتم، (عبد الرّحمان بن محمّد): الجرح والتّعديل، ج:2، ص:43. والبخاري، (محمّد بن إسماعيل): التّاريخ الكبير، ج:2، ص:5.]

(4) العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص :482.

(5) السّبكي: هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمّام بن يوسف بن موسى بن تمّام السّبكي الشّافعي أبو نصر، قاضي القضاة، صاحب “طبقات الشّافعيّة الكبرى” مات شهيدا بالطّاعون في ذي الحجّة سنة (771هـ). [ابن العماد، (عبد الحي بن أحمد): شذرات الذّهب في أخبار من ذهب، ج:1، ص:66. والزّركلي، (خير الدّين): الأعلام، ج:4، ص:184.]

الحميدي⁽¹⁾ ونسبه ابن أبي يعلى⁽²⁾ إلى مذهب أحمد بن حنبل، وقال المالكيّة: وهو مالكي روى الموطّأ عن عبد الله بن يوسف التّنّيسي وسعيد بن عنبر وابن بُكَير وقال الأحناف إنّ أستاذه الّذي أشار عليه بجمع الصّحيح إسحاق بن رَاهَوَيْه وهو حنفي وقد تلقّى عنه البخاري فهو حنفي”. ⁽³⁾

وفي هذا التّعارض ما يكفي للدّلالة على عدم انتساب الإمام البخاري لأيّ من المذاهب ثمّ إنّ التّبعيّة الفقهيّة ليست مبنيّة على أساس الأخذ والتّلقّي عمّن ينتسب لمذهب من المذاهب، فالإمام البخاري مجتهد برأسه وهو ما صرّح به ابن تيميّة⁽⁴⁾ في الفتاوى عندما سئل عن بعض أهل الحديث هل هم من أهل الاجتهاد فقال: “أمّا البخاري وأبو داود فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد”⁽⁵⁾.

(1) السّبكي، (تاج الدّين (ت 771 هـ)): طبقات الشّافعيّة الكبرى، ج:2، ص:214.

(2) ابن أبي يعلى: هو محمّد بن محمّد بن الحسن بن القاضي أبو يعلى بن الفرّاء الحنبلي، “صاحب طبقات الحنابلة ” مات قتيلا سنة (526هـ). [ابن رجب الحنبلي، (زين الدّين (ت795هـ)): ذيل طبقات الحنابلة، تح: د. عبد الرّحمان بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان، الرّياض، ط:1، (1425هـ/2005م)، ج:1، ص:391. وابن كثير، (أبو الفداء): البداية والنّهاية، تح: علي شيري، دار إحياء التّراث العربي، ط:1، (1408هـ/1988م)، ج:12، ص:253.]

(3) الحسيني، (عبد المجيد هاشم): الإمام البخاري محدّثا وفقيها، النّاشرون مصر العربيّة للنّشر والتّوزيع، ط:1، [د س ط]، ص:167.

(4) ابن تيميّة: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام بن عبد الله بن القاسم بن تيميّة الحرّاني الدّيمشقي الحنبلي تقيّ الدّين أبو العبّاس صاحب التّصانيف الجليلة (ت728هـ). [الشّوكاني، (محمّد بن علي (ت1250هـ)): البدر الطّالع بمحاسن من بعد القرن السّابع، دار المعرفة، [د ط]، [د س ط]، ج:1، ص:63. والصّفدي، (صلاح الدّين): الوافي بالوفيات، تح: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التّراث، بيروت، [د ط]، (1420هـ/ 2000م)، ج:7، ص:11.]

(5) ابن تيميّة، (تقيّ الدّين (ت 728 هـ)): مجموع الفتاوى، تح: عبد الرّحمان بن محمّد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشّريف، المدينة النّبويّة (المملكة العربيّة السّعوديّة)، ط:1، (1416هـ/1995م)، ج:20، ص:40.

“وإذا كان الفقه هو العلم أو الظّنّ بالأحكام (النّسبة التّامة الشّرعيّة العمليّة) باكتساب كما قال المتقدّمون هو المستمد من الأدلّة التّفصيليّة الجزئيّة أو بدون قيد للاكتساب كما عند المتأخّرين سواء نظر في الأدلّة أم نشأ عن تقليد بعض الأئمّة فإنّ البخاري فقيه حصّل الأدلّة التّفصيليّة كتابا وسنّة على أوسع نطاق واستنبط منها الأحكام مباشرة وحصّل آراء الفقهاء عامّة من أئمّة الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من الأئمّة بما فيهم الأئمّة الأربعة دون الاقتصار على إمام معيّن فهو المجتهد المطلق والفقيه اكتسابا وتحصيلا أوقد فيه وأزهر فيه مَلَكة الاكتساب اطّلاعه الواسع على آراء الصّحابة والتّابعين وحديث رسول الله وعنايته بالقرءان الكريم وليس هذا القول بالأمر المستكشف أو المستحدث بل هذه هي الحقيقة الّتي شهد له بها وقرّرها أئمّة العلماء في عصره وبعد عصره”⁽¹⁾.

وقال الكشميري⁽²⁾:”مع أنّ البخاري عندي سلك بذلك الاجتهاد ولم يقلّد أحدا في كتابه بل حكم بما حكم به فهمه.”⁽³⁾

وقد أحسن الدّكتور نور الدّين عتر⁽⁴⁾ العبارة وجمع فأوعى حيث قال “أمّا البخاري فكان في الفقه أكثر عموما وغوصا وهذا كتابه كتاب إمام مجتهد غوّاص في الفقه والاستنباط، بما لا يقلّ عن الاجتهاد المطلق لكن على طريقة فقهاء المحدّثين النّابهين، وقد قرأ منذ صغره كتب ابن المبارك وهو من خواص تلامذة أبي حنيفة ثمّ اطّلع على فقه الحَنَفيّة وهو حدث.

(1) الحسيني، (عبد المجيد هاشم): الإمام البخاري محدّثا وفقيها، ص:174.

(2) الكشميري: هو محمّد بن الشّيخ معظّم شاه بن الشّاه عبد الكبير بن الشّاه عبد الخالق بن الشّاه محمّد أكبر بن الشّاه محمّد عارف بن الشّاه حيدر بن الشّاه علي بن الشّيخ عبد الله بن الشّيخ مسعود النّروري الكشميري الحنفي له”فيض الباري في شرح صحيح البخاري” و”إكفار الملحدين في ضروريات الدّين”(ت1352هـ). [محمّد يوسف البنّوري(ت1977م): نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشّيخ أنور، إدارة المجلس العلمي بكراتشي، ط:2، (1389هـ/1969م)، ص:1/2.]

(3) الكشميري، (محمّد أنور شاه(ت1352هـ)): فيض الباري على صحيح البخاري، تح: محمّد بدر عالم الميرتهي، دار الكتب العلميّة، بيروت(لبنان)، ط:1، (1426هـ/2005م)، ج:1، ص:438.

(4) نور الدّين عتر: هو الشّيخ المحدّث نور الدّين محمّد حسن عتر ولد في حلب سنة (1356ه/1937م)، له مؤلّفات جليلة عديدة منها ” الإمام التّرمذي والموازنة بين جامعه والصّحيحين (ت1442ه). [د. نزار محمود قاسم: الشّيخ الدّكتور نور الدّين عتر وجهوده المبذولة في خدمة السّنّة المطهّرة، بحث مقدّم لمؤتمر جامعة الشّارقة، (1425ه)، ص:5/6.]

كما أخبر عن نفسه. واطّلع على فقه الشّافعي من طريق الكرابيسي كما أخذ عن أصحاب مالك فقهه فجمع طرق الاجتهاد إحاطة واطّلاعا فتهيّأ له بذلك مع ذكائه المفرط وسيلان ذهنه أن يسلك طريق المجتهدين ويبلغ شأْوَهُم وهذا كتابه شاهد صدق على ذلك حيث يستنبط فيه الحكم من الأدلّة ويتّبع الدّليل دون التزام مذهب من المذاهب والأمثلة الّتي ضمّها بحثنا عن فقهه وما أوجزنا من القول في عمق تراجمه وتنوّع طرق استنباطه يدلّ على أنّه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين وليس مقلّدا لمذهب كما يدّعي بعض أتباع المذاهب”.⁽¹⁾

(1) نور الدّين عتر: الإمام التّرمذي والموازنة بين جامعه والصّحيحين، رسالة مقدّمة لنيل درجة الدّكتوراه في علم الحديث، جامعة الأزهر، (1390 ه/1970 م)، ص:291/292.

دار الوسام للنشر - logo section separator
ضريح الإمام البخاري في سمرقند
ضريح الإمام البخاري في سمرقند

وفات الامام البخاري وآثاره:

تفنّن الإمام البخاري في تآليفه وترك من ورائه مصنّفات زيّنت المكتبة الإسلاميّة لم تخرج في جملتها عن علوم الحديث والسّنّة وقد تعلّق بعضها بالحديث رواية وبعضها بالرّجال وآخر بالعلل… وقد أبانت عن رسوخ قَدمه وغزارة علمه نذكر منها:

1 الجامع الصّحيح: الكتاب الذّي بين أيدينا وهو أحفل مؤلّفاته وأبقاها على الزّمان وسيأتي عليه الكلام لاحقا إن شاء الله.

 2 – الأدب المفرد: وهو يُعنى بتهذيب الأخلاق وتقويم السّلوك يرويه عنه أحمد بن محمد بن الجليل البزّار (وهو مطبوع).

3 -“رفع اليدين في الصّلاة” و”القراءة خلف الإمام”: يرويهما عنه محمود بن إسحاق الخزاعي وهو آخر من حدّث عنه ببخارى (وهما مطبوعان).

4 – التّاريخ الكبير: يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس وأبو الحسن محمد بن سهل النّسوي وغيرهما (وهو مطبوع).

5 – التّاريخ الأوسط: يرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السّلام الخفّاف وزنجويه بن محمد اللبّاد (وهو مطبوع).

6 – التّاريخ الصّغير: يرويه عنه عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمان الأشقر.

7 – خلق أفعال العباد: يرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصّمد الفربري (وهو مطبوع).

8 – كتاب الضّعفاء: يرويه عنه أبو بشر محمد بن أحمد بن حمّاد الدّولابي وأبو جعفر شيخ بن سعيد وآدم بن موسى الخواري.

9 – كتاب الهبة: ذكره ورّاقه محمد بن أبي حاتم.

10 – كتاب أسامي الصّحابة: ذكره أبو القاسم بن منده يرويه من طريق بن فارس عنه.

11 – كتاب الوحدان: وهو من ليس له إلاّ حديث واحد من الصّحابة.

12 – كتاب العلل: ذكره أبو القاسم بن منده⁽¹⁾ ويرويه عن محمد بن عبد الله بن حمدون عن أبي محمّد عبد الله بن الشّرقي

13 – كتاب الكنى: وهو كتاب متمّم لكتاب “التّاريخ الكبير” ذكره أبو أحمد الحاكم و نقل منه.

14 – كتاب الأشربة: ذكره الدّارقطني⁽²⁾ في المؤتلف والمختلف في ترجمة كيسة⁽³⁾.

15 – كتاب المبسوط: ذكره الخليلي⁽⁴⁾ في ترجمة أبي حسّان مهيب بن سليمان أنّه روى عن البخاري المبسوط ذكره في كتابه الإرشاد ⁽⁵⁾.

(1) ابن منده: هو الإمام المحدّث أبو القاسم عبد الرّحمان بن الحافظ الكبير أبي عبد الله محمّد بن إسحاق بن محمّد بن يحي بن منده العبدي الأصبهاني، كان قدوة أهل السّنّة بأصبهان وشيخهم في وقته، وكان شديدا على أهل البدع، توفّي في شوّال سنة (470هـ). [ابن أبي يعلى، (أبو الحسين (ت526هـ)): طبقات الحنابلة، تح: محمّد حامد الفقيه، دار المعرفة، بيروت، [د ط]، [د س ط]، ج:2، ص: 242. والذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:18، ص:349.]

(2) الدّارقطني: هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النّعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي المقرىء المحدّث من أهل محلّة دار القطني ببغداد، وهو من كبار النّقّاد العرفين بالعلل، توفّي في ذي القعدة سنة (385هـ). [الذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:16، ص:449. والبغدادي، (الخطيب): تاريخ بغداد، ج:13، ص:487.]

(3) انظر: الدّارقطني، (أبو الحسن علي بن عمر (ت 385هـ)): المؤتلف والمختلف، تح: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، (1406هـ/ 1986م)، ج:4، ص: 1973.

(4) الخليلي: هو القاضي العلاّمة الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن الخليل الخليلي القزويني، مصنّف كتاب “الإرشاد في معرفة المحدّثين”، كان ثقة حافظا عارفا بالرّجال والعلل، كبير الشّأن له غلطات في إرشاده، توفّي بقزوين سنة(444هـ) وكان من أبناء الثّمانين. [الذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:17، ص:666. والصّفدي، (صلاح الدّين (ت764هـ)): الوافي بالوفيات، ج:13، ص:247.]                                                                                 (5) الخليلي، (أبو يعلى (ت 446هـ)): الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تح: محمد سعيد عمر إدريس، مكتبة الرّشد الرّياض، ط:1، (1409هـ)، ج:3، ص:973.

16 – كتاب الفوائد: ذكره التّرمذي⁽¹⁾ في سننه بعد الحديث(3742) قال “وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب ووضعه في كتاب الفوائد”.⁽²⁾

والترمذي تلميذ البخاري ينقل عنه في جامعه الكبير المشهور بالسنن ويعتمد أقواله حجة في كتبه.

قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه”قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومائتين فأقام بها مدّة يحدّث على الدّوام”⁽³⁾ فوقعت بينه وبين محمّد بن يحي الذّهلي وحشة في قضيّة اللّفظ بالقرءان فتكلّم فيه بما هو منه براء، وألّب عليه النّاس في نيسابور فهجروه وانقطعوا عنه إلاّ مسلم بن الحجّاج وأحمد بن سلمة فلمّا وقع ما وقع خرج منها إلى بخارى، قال الذّهبي⁽⁴⁾: “وسافر محمّد بن إسماعيل مختفيا من نيسابور وتألّم من فعل محمّد بن يحي.”⁽⁵⁾

(1) التّرمذي: هو أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة التّرمذي السّلمي وكان إماما حافظا له تصانيف حسنة منها “الجامع الكبير”و”العلل”، كان ضريرا توفّي بقرية بوغ سنة(279هـ). [ابن خلّكان، (شمس الدّين): وفيات الأعيان، ج:4، ص:278. وابن الأثير، (عزّ الدّين(ت630هـ)): الكامل في التّاريخ، تح: عمر عبد السّلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت(لبنان)، ط:1، (1417هـ/1997م)، ج:6، ص:474.]

(2) انظر: التّرمذي، (أبو عيسى): الجامع الكبير، تح: بشّار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، (1998م)، ج:6، ص:97.

(3) العسقلاني، (ابن حجر): هدي السّاري، ص:490.

(4) الذّهبي: هو شمس الدّين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، الشّيخ الإمام العلاّمة الحافظ مؤرّخ الإسلام وشيخ المحدّثين صاحب “سير أعلام النّبلاء” وغيرها من التّصانيف الجليلة توفّي بدمشق سنة(748هـ). [ابن كثير، (أبو الفداء): البداية والنّهاية، ج:14، ص:259. والصّفدي، (صلاح الدّين): الوافي بالوفيات، ج:2، ص:114.]

(5) الذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:12، ص:285.

ولمّا قدم أبو عبد الله البخاري بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامّة أهل البلد حتّى لم يبق مذكور ونثر عليه الدّراهم والدّنانير فبقى مدّة ثمّ وقع بينه وبين الأمير خالد بن أحمد الذّهلي وحشة عندما أرسل إليه أن أحمل إليّ كتاب الجامع والتّاريخ لأسمع منك فقال محمّد بن إسماعيل للرّسول: أنا لا أذلّ العلم ولا أحمله إلى أبواب السّلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس لا يكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأنّي لا أكتم العلم. فتنافرت النّفوس واستعان عليه الأمير بأصحاب الرّأي فتكلّموا فيه وأمر بإخراجه عن البلد. دعا عليهم فاستجيب له فيهم⁽¹⁾…

ثم توجّه تلقاء خَرْتَنْك وهي قرية من قرى سمرقند وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، قال ابن عدي⁽²⁾” سمعت عبد القدّوس بن عبد الجبّار السّمرقندي يقول سمعته ليلة من اللّيالي وقد فرغ من صلاة اللّيل يدعو ويقول في دعائه اللّهم إنّه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فمرض واستبدّ به المرض”.⁽³⁾

قال ابن حجر: “قال مهيب بن سليم الكرميني والحسن بن الحسين البزّار مات ليلة السّبت ليلة عيد الفطر سنة ستّ وخمسين ومائتين قال الحسن عاش اثنتين وستّين سنة إلاّ ثلاثة عشر يوما رحمه الله تعالى”.⁽⁴⁾

(1) العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التّعليق، ج:5، ص:439/440.

(2) ابن عدي: هو الإمام، الحافظ، النّاقد، الجوّال أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمّد بن مبارك بن القطّان الجرجاني صاحب كتاب “الكامل في الجرح والتّعديل” توفّي في جمادى الآخرة سنة(365هـ). [ابن كثير، (أبو الفداء): البداية والنّهاية، ج:11، ص:321. والذّهبي، (شمس الدّين): سير أعلام النّبلاء، ج:16، ص:154.]

(3) العسقلاني، (ابن حجر): تغليق التّعليق، ج:5، ص:440/441.

(4) م ن: ص: 441.

دار الوسام للنشر - logo section separator
دار الوسام للنشر - كتاب قواعد فهم النصوص عند الإمام البخاري في الجامع الصحيح - علي فريجة
كتاب "قواعد فهم النصوص عند الإمام البخاري في الجامع الصحيح" للدكتور علي فريجة
تم تحرير هذا المقال بناءً على كتاب “قواعد فهم النصوص عند الإمام البخاري في الجامع الصحيح” للدكتور علي فريجة، يمكنك العثور على المزيد من المعلومات وشراء الكتاب بشكل حصري من دار الوسام للنشر عبر الرابط التالي:
تأكد من زيارة الرابط أعلاه للاطلاع على محتوى الكتاب والاستفادة منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *