أدب وفنون

الشعر الحر فسحة من التجديد أم دليل عجز

شاعرة
شعر

المقدمة

في خضم نزعة التجديد و الرغبة في التحرر عن كل القيود و التقاليد شهد الشعر ثورة غيرت مسار الأدب عند العرب , و ظهر ما سمي بشعر التفعيلة أنذاك  , هو عبارة عن الشعر – إن سلمنا بأنه شعر – الذي يتكوّن من سطر واحد فقط، أي ليس له عجز، كما أنّه يعتمد على تفعيلة واحدة؛ لهذا السبب سمي بالشعر الحر، لأنّه تحرر من وحدة القافية والشكل، ويتمتع كاتبه  بحرية التنويع في التفعيلات، وفي طول القصيدة. وأول من كتب هذا النوع نازك الملائكة بقصيدة بعنوان الكوليرا والتي نشرتها عام 1947م، وكذلك كتب بدر شاكر السياب ديوان بعنوان (أزهار ذابلة) والصادر في كانون الأول من عام 1947م.

و قد رجح النقاد أن ظهور الشعر الحر أو شعر التفعيلة يعود لعدة أسباب يمكن تلخيصها في نقاط هي كالآتي:

أولا : الدمار السياسي والاجتماعي والنفسي الذي شهده العالم العربي اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية  وانتماء الكثير من المثقفين العرب إلى التيارات والمذاهب السياسية والفكرية المختلفة خلق غايات و موضوعات حديثة ومعاصرة لم يتناولها الشعر من قبل تعبر عن واقع جديد تماما واجهه الإنسان العربي.

ثانيا: الميل إلى التفرد : أراد الشاعر العربي أن يثبت فردانيته بخلق سبيل شعري معاصر يتميز به عن شخصية الشاعر القديم..

ثالثا: و هذا سبب رفض النقاد لهذا النوع من الشعر : تدني المستوى اللغوي للعرب و ضعف زادهم فاستصعبوه و غلبهم .  فقالوا بأن الشعر الحر ليس إلا مجرّد عجز عن الشّعر ممّن حاوله فلم يطقه، فكتبوا نثرا سمّوه شعرا ولا هو بشعر ولا نثر أصلا، والسؤال المطروح هنا هل الشعر الحر فسحة من التجديد أم دليل عجز؟

شاعر

فاليكن الجواب عبارة على ضرب مقارنة بين النوعين و النترك لقارئنا العزيز حرية الترجيح.

فأين أصحاب الحر من بديع ما نقش جهابذة الشعر به  الطّروس في خطوطهم ممّا لا يستحيل (بالانعكاس)  وهو ما إذا قرأته من أوله إلى آخره أو من آخره إلى أوله كان سواء، كمثل قول الشّاعر
عجّ تنم قربك دعد آمنا *** إنّما دعد كبرق منتجع
وقول الآخر:
مودته تدوم لكل هول***وهل كل مودته تدوم

أم أين لهم مثل ما إذا قرأته على صورته كان مدحا فإذا قلبت صار هجاء، كمثل قول الشاعر مادحا:
حلموا فما ساءت لهم شيم *** سمحوا فما شحت لهم منن
سلموا فما زلت لهم قدم *** رشدوا فما ضلت لهم سنن
فإذا قلبت الكلمات صارت هجاء:
منن لهم شحت فما سمحوا *** شيم لهم ساءت فما حلموا
سنن لهم ضلت فما رشدوا *** قدم لهم زلت فما سلموا

أو بيت شعر غير متكلّف يجمع كلّ حروف الهجاء:

خُضْ بحرَ لفظِ حديثِه تغشَ العُلا *** واجزم بصدقك ناطقا إذ تُسنِد

قصيدة

وإذا أخذك عجب بما سبق ذكره فزد عليه قصيدة الشاعر “جمال الدين أبا زكريا الصرصري” من خمسة وثلاثين بيتا يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع في كل بيت منها حروف الهجاء كلها
و اقطع حبل عجبك الان بأول ما كتب في الحر لنازك الملائكة:

سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ,
تحتَ الصمت
على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ

و قد يحدث أن نبكي نحن من البون الشاسع شكلا و مضمونا بين الشعر التقليدي و الحر و لعل العروض الّذي وضعه الخليل بن أحمد رحمة الله عليه هو كشف عن  ميزان الشّعر العربيّ و الذي أعيا أصحاب الحر و اتخذوا سبيلا يراعي عجزهم عن الإتيان بشبيه له فخلقوا نوعا جديدا من الكلام لا يلتزم لا بقافية و لا وزن ولا تفعيلة .

و لكن الواقع يكشف نجاح الشعر الحر و كثرة قرائه رغم ما فيه من نقائص و يمكن الجزم بأن له جمهوره الوفي.

لذلك سنحيلك على بعض إصداراتنا في الحر في دار الوسام للنشر

تمت كتابة المقال بالإستعانة ببحوث قديمة في الغرض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *